ابن تيميه

23

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

الخدريّ ؛ وذكر عنده الصلاة في الطول فقال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « لا ينبغي للمطيّ أن تشدّ رحالها إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا » « 1 » . فهذا فيه أنه رواه بلفظ مسجد ، وبيّن أن النهي متناول للطور وإن لم يكن مسجدا بطريق الأولى ، فإن الذين يقصدون الطور ومثله لا يقصدونه لأنه مسجد ، بل ولم يكن هناك قرية يتخذ المسلمون فيها مسجدا ، وبناء المسجد حيث لا يصلّى فيه بدعة ، وإنما يقصدونه لشرف البقعة ، فعلم أن النهي عن المساجد نهي عن غيرها بطريق الأولى . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أحبّ البقاع إلى اللّه المساجد » « 2 » . فإذا كان قد حرم السفر إلى أحبّ البقاع إلى اللّه ، غير الثلاثة ؛ فما دونها في الفضيلة أولى أن ينهى عنه كما قال الصحابة ، ومنهم أيضا ابن عمر . قال أبو زيد : حدّثنا ابن أبي الوزير ، حدّثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن طلق ، عن قزعة قال : أتيت ابن عمر فقلت : إني أريد الطور . فقال : « إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى ، فدع عنك الطور فلا تأته » . لكن طائفة من المتأخرين قالوا : ليس هذا نهيا بل هو نفي لاستحباب السفر إلى غير الثلاثة ونفي لوجوب السفر بالنذر إلى غير الثلاثة . وهؤلاء يقولون : إن الحديث عام في السفر إلى قبور الأنبياء وآثارهم وغير ذلك . وقال ابن حزم الظاهري : السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة حرام . وأما السفر إلى آثار الأنبياء فذلك مستحبّ ، ولأنه ظاهريّ لا يقول بفحوى الخطاب وهو إحدى الروايتين عن داود الظاهري ؛ فلا يقول إن قوله : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [ الإسراء : 23 ] يدل على النهي عن الضرب والشتم ، ولا أن قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [ الإسراء : 31 ] . يدل على تحريم القتل مع الغنى واليسار ، وأمثال ذلك مما يخالفه فيه عامة علماء المسلمين ، ويقطعون بخطإ من قال مثل ذلك ، فينسبونه إلى عدم الفهم ونقص العقل ، ومع هذا فلم أجده ذكر ذلك إلا في آثار الأنبياء لا في القبور . وأما السفر إلى مجرد زيارة القبور ؛ فما رأيت أحدا من علماء المسلمين قال إنه مستحب ، وإنما تنازعوا هل هو منهي عنه أو مباح ، وهذا الإجماع والنزاع لم يتناول المعنى الذي أراده العلماء بقولهم : يستحبّ زيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ولا إطلاق القول بأنه

--> ( 1 ) الحديث أخرجه أحمد ( 3 / 64 ، 93 ) من طريق : عبد الحميد بن بهرام الحماني ، حدّثني شهر بن حوشب ، قال : سمعت أبا سعيد الخدري . . وذكره . وإسناده ضعيف ، عبد الحميد الحماني وشهر بن حوشب فيهما كلام . لكن الحديث له شواهد يصحّ بها ، انظرها في « إرواء الغليل » ( 773 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 671 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه بلفظ : « أحب البلاد إلى اللّه مساجدها ، وأبغض البلاد إلى اللّه أسواقها » .